نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ماذا بعد 2030؟, اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026 12:33 صباحاً
استمرار الاستقرار أولوية شعبية.. واستكمال المشروعات التنموية وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات والتمسك بـ"الاتزان الاستراتيجي" في السياسة الخارجية
حينما أكد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى أن "الدستور المصرى لن يمس"، وأن عام 2030 يمثل نهاية مدة رئاسته، عاد سؤال يفرض نفسه على الشارع المصري: ماذا بعد 2030؟
السؤال هنا لا يتعلق فقط بمن سيتولى منصب الرئيس، وإنما بالشكل الذى ستكون عليه مصر بعد هذا التاريخ، ومدى قدرتها على مواصلة مسيرة التنمية، والحفاظ على استقرار الدولة وقوتها، وتحويل ما تحقق خلال السنوات الماضية إلى واقع أفضل يلمسه المواطن فى حياته اليومية.
الرئيس السيسي، خلال مشاركته فى منتدى مصر 2026، شدد على اعتزام الدولة الانتهاء من جهود وخطط التنمية والتطوير الجارية بحلول عام 2030، معربًا عن أمله فى أن يوفقه الله لوضع الدولة المصرية على أعتاب تقدم حقيقي، واستثمار حقيقي، وتنمية حقيقية، تأخذ الشعب المصرى إلى آفاق أفضل، يتولى استكمالها، بفضل الله، زملاء آخرون.
ومن هنا، تتركز الأحاديث فى الشارع السياسى حول مجموعة من الملفات الداخلية والخارجية التى ستحدد أولويات المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الدولة على مواصلة مسيرتها التنموية والحفاظ على استقرارها وقوتها، خاصة أن ما تحقق من استقرار خلال السنوات الماضية، كما أكد الرئيس السيسي، "لم يأت دون تكلفة ودماء"، إذ قدمت مصر الكثير من التضحيات، وفى مقدمتها شهداء القوات المسلحة والشرطة والقضاء، وضحايا الإرهاب من المصلين فى المساجد والكنائس، فضلا عن الأموال التى أُنفقت فى سبيل تحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب.
وفى الفيلم الذى عُرض خلال افتتاح منتدى مصر 2026، أكد الدكتور محمود محيى الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، أن العبرة دائمًا بالتنفيذ. وهى عبارة تختصر جانبًا مهمًا من النقاش حول مستقبل مصر، فالمواطن لا يبحث فقط عن خطط ورؤى طموحة، وإنما يريد أن يطمئن إلى أن هذه الخطط ستتحول إلى نتائج ملموسة، وأن ما ينتظره أبناؤه فى المستقبل سيكون أفضل.
وهنا تبرز أهمية أن يقدم المنتدى، من خلال جلساته ونقاشاته، إجابات عملية عن الأسئلة التى تشغل المصريين، وأن يفتح نافذة حقيقية للتفاؤل، تستند إلى وقائع ومؤشرات واضحة، لا إلى الشعارات وحدها.
وفى هذا السياق، استوقفنى حديث الدكتور محمد كمال، رئيس لجنة الشئون الخارجية والعربية والإفريقية بمجلس الشيوخ، خلال الجلسة الافتتاحية، عن الصورة الشاملة لمشروع الوعى، والمكونات التى ينبغى أن يقوم عليها. وأعتقد أن ما طرحه يمثل مدخلا مهما لفهم ما تحتاج إليه مصر فى المرحلة المقبلة، وكيف يمكن البناء على ما تحقق استعدادا لما بعد 2030.
المكون الأول، وفقا لما طرحه الدكتور محمد كمال، هو إدراك قيمة الأمن والاستقرار، مستشهدا بقول الرئيس السيسى إن "الدولة اللى بتضيع ما بترجعش تانى". فالأمن والاستقرار ليسا مجرد هدفين منفصلين عن التنمية، بل يمثلان شرطا أساسيا لاستمرارها، وجذب الاستثمارات، وحماية مقدرات وقدرات الدولة، وضمان قدرة المجتمع على مواجهة التحديات، لذلك فإن الحفاظ على الاستقرار يجب أن يظل جزءا أصيلًا من الوعى الوطنى، مع إدراك أن استدامته ترتبط أيضا بقدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية.
أما المكون الثاني، فيتعلق بالحفاظ على المؤسسات وتطويرها. فالمؤسسات ليست مجرد هياكل بيروقراطية أو إدارية، وإنما هى الإطار الذى يضمن استمرارية الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ ومواصلة التنمية، بصرف النظر عن تغير الأشخاص والمواقع. وقد لعبت مؤسسات الدولة المصرية دورا تاريخيا فى الحفاظ على تماسكها واستمرارها، لكن التحدى فى المرحلة المقبلة يتمثل فى مواصلة تحديثها، وتعزيز كفاءتها، وترسيخ معايير الجدارة، والاستعانة بأهل العلم والخبرة، بما يحقق مفهوم "دولة الجدارة" التى أشار إليها الرئيس السيسي.
وهذا المكون تحديدا يرتبط بصورة مباشرة بسؤال ما بعد 2030، فاستمرار التنمية لا ينبغى أن يتوقف على وجود شخص بعينه، وإنما يجب أن يستند إلى مؤسسات قوية، ورؤى واضحة، وآليات فعالة للمحاسبة وتقييم الأداء، تضمن أن يكون استكمال المشروعات وتحقيق الأهداف مسارا مستداما لا يتأثر بتغير القيادات.
المكون الثالث هو الحفاظ على الهوية الوطنية، باعتبارها قضية تتجاوز المجال الثقافى إلى الأمن القومى، فالهوية تقوم على توافق أبناء الوطن حول مجموعة من القيم والرموز والمصالح المشتركة والمشروع الوطنى الجامع، وأى محاولة لتقويض هذا التوافق أو بث الفرقة بين المصريين تنعكس على تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.
والحفاظ على الهوية لا يعنى الانغلاق أو رفض الاختلاف، بل يتطلب تعزيز الوعى بالتاريخ الوطنى، وتطوير التعليم، والاهتمام بالثقافة والفنون، وتقديم خطاب إعلامى مسئول، يرسخ الانتماء ويتيح فى الوقت نفسه مساحة للنقاش والتفكير النقدى، فمصر التى تستعد للمستقبل تحتاج إلى مواطن يدرك قيمة وطنه، ويثق فى قدرته على التطور، ويشارك بفاعلية فى بنائه.
أما المكون الرابع، فيتعلق بالارتباط الوثيق بين الداخل والخارج. فالسياسة الخارجية تبدأ من الداخل، وتحتاج إلى دولة وطنية قوية واقتصاد قادر على الصمود ومجتمع متماسك، لكن ذلك لا ينفى أن التطورات الدولية والإقليمية تؤثر بصورة مباشرة فى خطط التنمية، خاصة فى عالم يتسم بالاضطراب وعدم الاستقرار وتراجع القدرة على التنبؤ بما قد تحمله الأيام المقبلة.
وفى ظل هذه البيئة المعقدة، تزداد أهمية التمسك بمبدأ "الاتزان الاستراتيجي"، وتنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لطرف واحد، والتعامل مع الأزمات بحكمة وحسابات دقيقة تحافظ على المصالح المصرية. فمستقبل مصر بعد 2030 لن يتحدد فقط بما يحدث داخل حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على التعامل مع التحولات العالمية، واستثمار الفرص المتاحة، وتقليل آثار الأزمات الخارجية على الاقتصاد والمجتمع.
ويأتى المكون الخامس والأخير، وهو الثقة فى مصر وشعبها، باعتباره العنصر الذى يجمع المكونات الأربعة الأخرى، فقد اختارت الدولة التركيز على الإصلاح الهيكلى والتنمية الشاملة، لكن هذه المسارات تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية، إلى جانب محاولات التشكيك وبث الإحباط وإثارة الغضب بين المواطنين.
ومواجهة هذه التحديات لا تكون بالتقليل من الصعوبات أو تجاهل المشكلات، وإنما ببناء الثقة على أسس واقعية، من خلال المصارحة، وتوضيح الأولويات، وإعلان النتائج، وتصحيح أوجه القصور، وتعزيز مشاركة المواطنين فى عملية التنمية. فالتفاؤل الحقيقى لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه قدرة المواطن على رؤية تحسن ملموس فى حياته، وشعوره بأن أعباء الحاضر تقود إلى مستقبل أفضل.
هذه هي المكونات الخمسة كما قدمها وشرحها الدكتور محمد كمال، ومن هنا، يمكن البناء عليها، وربطها بصورة مباشرة بسؤال مصر بعد 2030، فالمطلوب ليس فقط أن تنجح الدولة فى استكمال مشروعاتها الحالية، وإنما أن تنتقل إلى مرحلة جديدة يصبح فيها معيار النجاح هو العائد الذى تحققه هذه المشروعات، وقدرتها على دعم الإنتاج والصناعة والتصدير، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات، ورفع جودة حياة المواطنين.
فماذا نريد لمصر بعد 2030؟.. نريد دولة مستمرة في الاستقرار والقوة.. دولة مستمرة في امتلاك مؤسسات حديثة قادرة على التجدد، واقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ومجتمعا كما هو اليوم، متماسكا يعتز بهويته وينفتح على العالم، وسياسة خارجية تحمى المصالح الوطنية وتتعامل بمرونة مع المتغيرات، والأهم من ذلك، أن يشعر المصريون بأن المستقبل يحمل لهم فرصا حقيقية، وأن أبناءهم سيجدون أمامهم مساحات أوسع للتعليم والعمل والإبداع وتحقيق الطموحات.
إن انتهاء مدة رئاسية فى 2030 لا يعنى نهاية مشروع الدولة، كما أن اكتمال مرحلة من مشروعات التنمية لا يعنى انتهاء مسؤولية البناء، بل إن التحدى الحقيقى يتمثل فى ضمان استمرارية الإنجاز، وتصحيح المسار كلما اقتضت الضرورة، وتحويل ما تحقق إلى قاعدة تنطلق منها الأجيال المقبلة.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا بعد 2030؟ وإنما: ماذا نفعل من الآن حتى تكون مصر فى 2030 أكثر قوة واستقرارا، وحتى يشعر المواطن بأن ما تحمله من أعباء وتضحيات كان طريقا إلى حياة أفضل؟..
الإجابة عن هذا السؤال لن تكون الا بمواصلة السياسات الاقتصادية والأجتماعية، من خلال مؤسسات تعمل بكفاءة، واقتصاد ينتج ويخلق الفرص، ومجتمع يثق فى قدرته على التقدم. عندها فقط، يمكن أن تتحول عبارة "ماذا بعد 2030؟" من سؤال يثير القلق بشأن المستقبل إلى بداية نقاش وطنى جاد حول المستقبل الذى نريد أن نبنيه معًا.








0 تعليق