التضليل الرقمي والتزييف والأكاذيب أقوى سلاح فى معركة هدم الدولة.. والشباب أكثر المستهدفين
لم يعد الصراع مع الدول يبدأ دائما من الحدود، ولا يحتاج في كل مرة إلى دبابة تتحرك أو طائرة تعبر المجال الجوي. أحيانا تبدأ المعركة من شاشة هاتف، بصورة قديمة يعاد نشرها باعتبارها حدثت اليوم، أو مقطع مصنوع بالذكاء الاصطناعي، أو تصريح لم يقله صاحبه، أو جزء من واقعة حقيقية ينتزع من سياقه ثم يعاد تركيبه ليحكي قصة مختلفة تماما. وإذا تكررت هذه العملية بما يكفي، لا يصبح الهدف إقناع المواطن بكذبة واحدة، بل تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى بلده وتاريخه ومؤسساته، وهنا يصبح الوعي نفسه ساحة للصراع.
هذا بالضبط هو الباب الذي فتحه فخامة الزعيم الرئيس عبد الفتاح السيسي مجددا خلال افتتاح «منتدى مصر 2026» في العاصمة الجديدة الأثنين الماضى، حيث لم يتحدث عن شائعة عابرة أو منشور مجهول، وإنما تحدث بصورة مباشرة عن محاولات "تحطيم الذاكرة الوطنية"، وتحطيم دور مصر، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وربط حديثه بالأجيال التي لم تعش أحداث 2011 وما تلاها، مؤكدا أن تكرار الحديث عن هذه السنوات يستهدف استدعاء الذاكرة والوعي حتى يعرف الشباب والأطفال ما جرى، وكيف وصلت الدولة إلى اللحظة الحالية.
اللافت أن المنتدى نفسه خصص فقرات للهوية الوطنية، وكيف يوجه الوعي، واختيار مصادر المعلومات لدى جيل الشباب، والمعلومة المضللة، وتأثير مواقع التواصل، والشائعات وانعكاساتها على الداخل المصري.
المسألة هنا أكبر من مجرد الاختلاف السياسي. الاختلاف طبيعي، والنقد جزء ضروري من أي مجتمع حي، والرئيس نفسه أكد خلال المنتدى أهمية عرض البيانات الدقيقة والاستماع إلى الآراء وقبول النقد. الفاصل الحقيقي هو بين رأي يعارض ويجادل استنادا إلى وقائع، وبين عملية تستهدف تغيير الوقائع نفسها، أو صناعة ذاكرة بديلة، أو إخفاء جزء من الصورة حتى يخرج الجيل الجديد بانطباع لا يستند إلى ما حدث فعلا. لأن الإنسان يمكنه أن يختلف حول معنى الحدث، لكنه لا يستطيع أن يبني رأيا سليما إذا جرى تغيير الحدث من الأساس.
لذلك لم يكن حديث 19 أكتوبر منفصلا عما قاله فخامة الزعيم الرئيس السيسي قبل خمسة أيام فقط من انطلاق المنتدى، فخلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة «وطن الأبطال» بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر. يومها وضع الرئيس التحذير في سياق أكثر وضوحا، حين تحدث عن محاولات تشويه الذاكرة الوطنية وطمس الحقائق التاريخية، واستشهد بما وصفه بمحاولات التشكيك في نصر أكتوبر أو التقليل من أهميته باستخدام أدوات إعلامية وتقنيات حديثة ومواقع التواصل الاجتماعي. وكانت الرسالة الأساسية أن معركة التاريخ لم تنته بانتهاء الحدث، لأن كل جيل جديد يصبح هدفا لروايات تحاول إعادة تقديم ما جرى وفقا لمصلحة صاحب الرواية.
وفي المناسبة نفسها، قال الرئيس إن «الذاكرة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول لأي أمة»، وهي عبارة تكشف لماذا يتحول التاريخ إلى هدف. فالأمة التي تعرف ما مرت به، وكيف دفعت ثمن حروبها وأزماتها، ومن أخطأ ومن أصاب، تكون أصعب في التوجيه من أمة تبدأ ذاكرتها كل يوم من آخر منشور ظهر أمامها على الهاتف. وحين يفقد المجتمع ذاكرته، يصبح ممكنا تقديم الهزيمة باعتبارها نصرا، والنصر باعتباره وهما، والإرهاب باعتباره صراعا سياسيا عاديا، وتحويل من حمل السلاح إلى ضحية، أو على العكس تحويل كل مخالف في الرأي إلى متآمر. ولهذا فإن حماية الوعي لا تعني إلغاء النقد، بل حماية الأرض التي يقف عليها النقد: الحقيقة.
ولم يبدأ هذا التحذير في أكتوبر. ففي 29 سبتمبر 2026، خلال اجتماع ضم رئيس الوزراء ومجلسي الوزراء والمحافظين وعددا من كبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والشرطة والعمد والمشايخ والخبراء، قال الرئيس إن «وعي المصريين هو حائط الصد»، وتحدث عن تعدد الأدوات المستخدمة للإضرار بالدولة، وبينها مواقع التواصل الاجتماعي، محذرا من أن أقل الطرق تكلفة لإضعاف دولة قد تكون دفع شعبها نفسه إلى الصدام مع مؤسساته. وفي الاجتماع ذاته ربط بين الحفاظ على الجبهة الداخلية وبين مواجهة الإحباط والشائعات، ودعا إلى عمل مؤسسي مستمر تشارك فيه المدارس والمؤسسات الدينية والمجتمعية، لا أن تبقى المواجهة مسؤولية جهاز أمني أو جهة إعلامية واحدة.
وقبل ذلك، في احتفال عيد الشرطة الرابع والسبعين في يناير 2026، كان التحذير أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الجديدة. الرئيس تحدث عن ضرورة تحصين الشباب الذين لم يعاصروا مرحلة 2011، ونبه إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع خلق سياقات غير حقيقية، وأن حماية الدولة لا تتم بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بمشاركة الجامعات والمدارس والمساجد والكنائس والأسرة. هذه نقطة أساسية، لأن أدوات التزييف لم تعد تحتاج إلى غرفة مونتاج محترفة أو مؤسسة إعلامية كاملة؛ هاتف وبرنامج ذكاء اصطناعي وقدرة متوسطة على التحرير قد تكون كافية لإنتاج فيديو يبدو لأول وهلة مقنعا.
حتى في أغسطس 2025، خلال زيارة للأكاديمية العسكرية المصرية، تناول الرئيس مواقع التواصل باعتبارها أداة ليست شرا في ذاتها، لكن خطورتها ترتبط بطريقة الاستخدام، إذ يمكن أن تتحول إلى وسيلة لترويج الشائعات وهدم المعنويات. وفي أبريل من العام نفسه، خلال تخريج دفعة من أئمة وزارة الأوقاف، ربطت الرئاسة برنامج التأهيل بتطوير أدوات التواصل ودحض الفكر المتطرف وترسيخ الوعي بالقضايا والتحديات. أي أن الخط الذي يصل بين المدرسة والجامعة والمسجد والإعلام والأكاديمية العسكرية واضح: الدولة تتعامل مع الوعي باعتباره مسألة أمن قومي لا تقل عن الاقتصاد أو السلاح.
لكن السؤال المهم يظل: هل توجد وقائع حقيقية تثبت أن التزييف ليس مجرد احتمال نظري؟.. الإجابة نعم، والأمثلة خلال العامين الأخيرين وحدهما تكشف الصدمة من حجم التزييف وأهدافه.
في أبريل 2026، تداول مستخدمون مقطع فيديو يظهر شرطيا في موقف مسيء مع مواطن، قبل أن تعلن وزارة الداخلية بعد الفحص الفني أن المقطع مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ولا يمت للواقع بصلة. القيمة في هذه الواقعة ليست فقط في كون فيديو واحد مزيفا، وإنما في طبيعة الخدعة: صورة متحركة وصوت وحركة تبدو حقيقية، يمكن أن تصل إلى ملايين المشاهدين قبل أن يصل النفي إلى جزء منهم.
وفي سبتمبر من العام نفسه، ظهر فيديو آخر نُسب إلى أحد مساعدي وزير الداخلية، وأكد مصدر أمني أن المقطع مفبرك ويعتمد على صور وبيانات متاحة عبر مواقع التواصل، وأن الشخص أو الاسم الوارد لا يمثل أحد مساعدي الوزير. بحسب الرواية الرسمية، جرى تداول المقطع عبر صفحة قالت الجهات الأمنية إنها مرتبطة بجماعة الإخوان، وأعلنت اتخاذ إجراءات قانونية ضد مروجيه. هنا ننتقل من مرحلة اختراع الواقعة إلى مرحلة أكثر تطورا: استخدام بيانات حقيقية متاحة للعامة لبناء شخصية مزيفة تمنح القصة قدرا من المصداقية.
وهناك أسلوب آخر أقل تعقيدا تقنيا لكنه شديد الفاعلية، وهو إعادة تدوير القديم باعتباره جديدا. ففي نوفمبر 2025 نفت وزارة الداخلية ادعاء حدوث انفجار حديث على الطريق الدائري باتجاه ميدان الرماية، وأوضحت أن المقطع المتداول يعود إلى واقعة من عام 2015. وفي ديسمبر من العام نفسه نفت صحة فيديو تضمن مزاعم عن هتافات في إحدى المناطق، مؤكدة أن المقطع سبق فحصه وأن إعادة نشره جاءت في سياق مختلف عن حقيقته. وفي فبراير 2026 قالت الوزارة إن مقطعا يعرض مقتل سائق على يد ضابط جرى تقديمه مجددا على أنه واقعة حديثة، بينما يعود أصل الحادث إلى يونيو 2025 وكانت الإجراءات القانونية قد اتخذت في حينها.
هذا النوع من التضليل خطير لأنه لا يحتاج إلى اختراع صور. كل ما يحتاجه هو إزالة التاريخ، تغيير التعليق، ثم ترك الصورة الحقيقية تقوم بالباقي. والمشاهد عندما يرى مشهدا واقعيا لا يسأل في الغالب: متى حدث؟ أين؟ ما الذي جرى بعده؟ وهكذا تتحول حقيقة قديمة إلى كذبة جديدة فقط بتغيير الزمن والسياق.
الاقتصاد ملئ بالشائعات
والأسلوب نفسه يظهر في الملفات الاقتصادية شديدة الحساسية. ففي أغسطس وسبتمبر 2026 انتشرت روايات ربطت تصريحات عن خسائر قناة السويس بمقترح لبيع القناة أو مقايضتها بالديون، قبل أن يوضح المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أن التصريحات المتداولة جرى اجتزاؤها من سياق يعود إلى عام 2024، وأن فكرة مقايضة بعض الأصول بالمديونية دُرست ولم تعتمد سياسة للحكومة، وأن قناة السويس ليست مطروحة للبيع أو الرهن. هنا لا توجد صورة مولدة ولا شخصية مخترعة، وإنما خليط من معلومة صحيحة وأخرى غير صحيحة وسياق قديم، وهو واحد من أكثر أشكال التضليل قدرة على الانتشار لأنه يمنح المتلقي أجزاء حقيقية داخل رواية خاطئة.
وفي سبتمبر أيضا، تدخل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء لنفي تصريحات منسوبة إلى وزيرة التنمية المحلية والبيئة تزعم أن قطع الأشجار مرتبط بتعاقدات لتصدير الفحم، مؤكدا أن التصريحات مفبركة. مثل هذه القصص ليست صغيرة في تأثيرها، لأنها تختار قضية موجودة بالفعل في اهتمام الجمهور، ثم تضيف إليها تصريحا صادما لم يصدر، فتتحول المناقشة من سؤال مشروع حول السياسات البيئية إلى غضب قائم على معلومة غير صحيحة.
وهنا تظهر المسألة الأخطر: الشائعة الفعالة لا تأتي غالبا من فراغ، وإنما تركب فوق مخاوف حقيقية. إذا كان المواطن قلقا من الأسعار، تأتيه شائعة اقتصادية. وإذا كان غاضبا من واقعة أمنية، يعاد تدوير فيديو قديم. وإذا كان مهتما بقناة السويس، توضع كلمة «بيع» إلى جوار تصريح حقيقي عن تراجع الإيرادات. وإذا كان الجيل الجديد لا يعرف تفاصيل حرب أكتوبر، يصبح المجال مفتوحا أمام محتوى ينتقي من الوثائق ما يخدم رواية جاهزة. لذلك فإن الحرب على الوعي لا تنجح فقط بسبب قوة من يصنع الرسالة، بل لأنها تعرف أين توجد نقاط القلق في المجتمع.
والأسبوع الماضى، أصدر المؤشر العالمي للفتوى، التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تقريرًا عن أنماط الشائعات والمعلومات المضللة المتداولة في مصر خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2026، وأظهر التحليل الكمي للحالات المرصودة على مدار الأشهر الثلاثة تنوعًا في طبيعة الشائعات بحسب موضوعاتها وأهدافها، إذ تصدرت الشائعات المجتمعية والخدمية والأمنية بنسبة (42%)، بما يعكس اتساع نطاق التضليل المرتبط بالقضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتؤثر في شعورهم بالأمن وثقتهم بالخدمات والمؤسسات. وجاءت الشائعات الاقتصادية في المرتبة الثانية بنسبة (37%)، وتناولت قضايا معيشية ومالية وخدمية ذات صلة مباشرة بمصالح المواطنين، بما يؤكد قابلية هذه الموضوعات لاستثارة القلق وتداول المعلومات غير الدقيقة. فيما سجلت الشائعات والمعلومات المضللة المتعلقة بالقضايا الدينية نسبة (21%)، وشملت أنماطًا من انتحال الشخصيات الدينية، وتوظيف الرموز والمؤسسات الدينية في محتوى مضلل، فضلًا عن الشائعات التي تمس سمعة الأفراد.
وأظهر التحليل أن الشائعات الأكثر حساسية هي تلك التي ترتبط مباشرة باحتياجات المواطنين اليومية ومصادر قلقهم، وفي مقدمتها الأسعار والطاقة والأدوية والدعم الاجتماعي والرسوم والخدمات العامة، فكلما اتصل الادعاء بمصلحة معيشية مباشرة، ازدادت قابليته لجذب الانتباه وإعادة التداول، خاصة عندما يُقدَّم في صورة قرار رسمي وشيك أو معلومة عاجلة مدعومة بأرقام محددة، دون الاستناد إلى مستند يمكن التحقق منه، لافتا إلى أن خطورة الشائعة لا تستمد من مضمونها وحده، بل تتوقف أيضًا على توقيت نشرها، وحساسية القضية التي تتناولها، وطريقة صياغتها، ومدى قدرة الجمهور على الوصول إلى المعلومات الأصلية. كما أن تكرار الادعاء عبر صفحات متعددة لا يُعد دليلًا مستقلًّا على صحته، إذا كانت تلك الصفحات تعيد نقل المصدر نفسه أو تكرر رواية غير موثقة.
وأوضح المؤشر العالمي للفتوى، في تقريره، أن التطور التقني أتاح إمكانات واسعة لإنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو واقعية، بما يزيد صعوبة التمييز بين المحتوى الأصلي والمحتوى المعدل أو المصطنع، خاصة عندما تُستخدم هذه التقنيات في انتحال شخصيات عامة أو دينية، أو الترويج لمنتجات، أو إعادة تأطير أحداث قديمة باعتبارها وقائع جديدة. ولا تقتصر المشكلة على التزييف الكامل؛ إذ قد يكون المحتوى أصليًّا في أساسه، لكنه يُقتطع من سياقه، أو يُحذف جزء من التصريح بما يغيِّر دلالته، أو تُضاف إليه معلومات لا يتضمنها المصدر الأصلي، ومن ثم، فإن التحقق الفعّال لا يعتمد على الانطباع البصري أو الصوتي وحده، بل يقوم على مقارنة النسخ، والبحث عن المصدر الأول، وفحص التاريخ والسياق، وجمع القرائن المستقلة.
الباحث عن المستفيد
من المستفيد من ذلك؟ ليس هناك مستفيد واحد، ولا توضع كل شائعة في سلة واحدة. بعضها ينتجه أشخاص بحثا عن التفاعل والمشاهدات، والأخرى جزء من صراع سياسي، والباقي يدخل فعلا في نطاق عمليات تأثير منظمة. والخلط بين الجميع يضعف مواجهة التضليل، لأن وصف كل معلومة خاطئة بأنها «مؤامرة» يمنح الحملات المنظمة فرصة للاختباء وسط الضجيج الطبيعي.
لكن وجود الضجيج لا يلغي وجود الشبكات المنظمة. شركة «ميتا» وثقت في تقريرها عن السلوك الزائف المنسق في أكتوبر 2020 إزالة 31 حسابا و25 صفحة وحسابين على إنستجرام يديرها أفراد في مصر وتركيا والمغرب أثبتت الشركة إنهم مرتبطون بجماعة الإخوان الإرهابية، وكانت الشبكة تستهدف مستخدمين في مصر وليبيا وتونس واليمن والصومال والسعودية. و«ميتا» تعرف السلوك الزائف المنسق بأنه جهد منظم للتلاعب بالنقاش العام لتحقيق هدف استراتيجي تكون فيه الحسابات المزيفة عنصرا أساسيا. هذه ليست رواية سياسية مصرية، بل تقرير صادر عن المنصة نفسها التي استضافت النشاط.
وهذا يقدم إجابة جزئية عن السؤال: لماذا تستفيد التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تقودها جماعة الإخوان من هدم الذاكرة؟.. لأنها لا تستطيع بناء شرعيتها الجديدة من دون إعادة تفسير الماضي. التنظيم الذي خسر معركة سياسية أو أمنية يحتاج إلى رواية تقول إن الهزيمة لم تكن بسبب اختياراته، وإن ضحاياه لم يكونوا ضحايا، وإن مؤسسات الدولة هي المشكلة، وإن ما حدث لم يحدث بالطريقة التي يتذكرها الناس. تغيير الذاكرة هنا ليس ترفا فكريا، بل محاولة لتغيير ميزان الشرعية نفسه.
والأمم المتحدة وصلت في تقرير حديث صدر في سبتمبر 2026 إلى نتيجة أوسع: الدعاية الإرهابية لم تعد مجرد رسائل إعلامية، بل أصبحت جزءا من البنية التشغيلية للتنظيمات، تستخدم في التجنيد والتطرف والتمويل والتخطيط، مع اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي لتخصيص الرسائل والوصول إلى جماهير متعددة اللغات واستهداف الشباب. أي أن ما يبدو للمستخدم مجرد فيديو أو صورة أو نقاش تاريخي قد يكون، في بيئات معينة، جزءا من منظومة أكبر لبناء الثقة مع جمهور جديد وجذبه تدريجيا نحو رواية التنظيم.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أيضا أن داعش والقاعدة استمرا في استخدام الدعاية الرقمية للتجنيد وجمع الأموال وتحديد الأولويات الاستراتيجية، وأن شبكات المؤيدين تلعب دورا في تضخيم الرسائل وتوسيع انتشارها، مع تجارب لاستخدام الذكاء الاصطناعي ومنصات الفيديو والألعاب للوصول إلى الشباب. هذا لا يعني أن كل حملة تضليل في مصر يقف وراءها داعش أو القاعدة، لكنه يثبت أن التنظيمات الإرهابية فهمت منذ سنوات أن السيطرة على الحكاية يمكن أن تكون بنفس أهمية السيطرة على المكان.
وتظهر هنا أيضا الأجندات الخارجية. عمليات التأثير الحديثة لا تعتمد بالضرورة على بيان رسمي يحمل اسم الدولة التي تقف خلفها. النموذج الأكثر كفاءة هو الحساب المحلي المزيف، أو الصفحة التي تبدو مستقلة، أو المؤثر الذي يتلقى المادة جاهزة، أو شبكة تضخم الموضوع حتى يبدو وكأنه رأي شعبي تلقائي. «ميتا» وثقت على مدار سنوات شبكات عديدة حول العالم تعمل بهذه الطريقة، وبعضها أنفق مبالغ كبيرة على الإعلانات والحملات، وهو ما يثبت أن سوق التأثير السياسي الرقمي يمكن أن يستهلك ميزانيات ضخمة. والموثق وجود شبكات منظمة واستثمارات مالية في عمليات تأثير رقمية حول العالم، ووجود شبكة سابقة مرتبطة بالإخوان استهدفت الجمهور المصري.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ركز الرئيس في «منتدى مصر 2026» على البيانات الدقيقة والكاملة، لا على الدعوة إلى التصديق بلا نقاش. فالوعي الذي تحميه الدولة ليس وعيا مصنوعا من الخوف، وإنما من القدرة على المقارنة. المواطن الذي يعرف أرقام الاقتصاد، وما حدث قبل مشروع وبعده، وتاريخ القرارات وتكلفتها ونتائجها، يصبح أقل قابلية لأن تقوده صورة منفردة أو منشور مجهول. وهذا يفسر أيضا إصرار المنتدى على الجمع بين ما تحقق وبين ما كان موجودا قبله، لأن الذاكرة ليست احتفالا بالماضي فقط، وإنما قاعدة قياس للحاضر.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول ذاكرته إلى مجموعة من المقاطع المنفصلة. خمس عشرة ثانية عن يناير 2011، وصورة عن يونيو 2013، وتغريدة عن أكتوبر 1973، ومقطع مجهول عن حرب الإرهاب في سيناء، ثم يبدأ الجيل الذي لم يعش أي هذه الأحداث في تكوين تصور كامل من أجزاء اختارها له آخرون. لذلك كان حديث الرئيس في أكتوبر عن الأطفال والشباب الذين لم يعاصروا الفترة من 2011 إلى 2013 شديد الدلالة. هناك الآن جيل كامل كان طفلا صغيرا أو لم يكن قد ولد عند وقوع أحداث شكلت مسار الدولة المصرية، ومصدره الأول لمعرفة تلك السنوات قد لا يكون كتابا أو أرشيفا أو شهادة موثقة، بل خوارزمية تقرر ما يظهر له بعد أن شاهد مقطعا واحدا.
والخوارزمية لا تسأل عن الحقيقة قبل أن تقترح الفيديو التالي. هي تقيس الاهتمام. فإذا جذب الغضب المستخدم، يحصل على مزيد من الغضب. وإذا جذبته نظرية مؤامرة، تقوده التوصيات إلى محتوى مشابه. وإذا بدأ بالتشكيك في حدث تاريخي، يمكن أن يجد نفسه بعد ساعة أمام عشرات المقاطع التي تعطيه الإحساس بأن الرواية التي اكتشفها للتو هي الحقيقة التي أخفاها الجميع. هنا يتحول التكرار إلى بديل عن الدليل.
ولهذا فإن السؤال «من يريد هدم ذاكرة المصريين؟» لا تكفيه إجابة باسم تنظيم واحد. المستفيد هو كل من تتعارض مصالحه مع بقاء المجتمع متماسكا وقادرا على التمييز: تنظيم متطرف يريد أن يعيد تقديم تاريخه، جهة خارجية تريد دفع الداخل إلى الانقسام، شبكة مصالح تريد ضرب الثقة في مؤسسة بعينها، أو حتى صانع محتوى لا يهتم بشيء سوى عدد المشاهدات. لكن التنظيمات الإرهابية تظل من أكثر الأطراف استفادة من انهيار الذاكرة، لأنها تحتاج دائما إلى جيل لا يتذكر ثمن الإرهاب ولا كيف بدأت دورات العنف ولا كيف انتهت.
وعندما تحدث الرئيس في الندوة التثقيفية في أكتوبر عن الحرب التي خاضتها مصر ضد الإرهاب وما دفعته من دماء وأموال، كان يربط بين الحاضر والذاكرة مرة أخرى. الفكرة ليست مطالبة المواطن بأن يعيش في الماضي، بل ألا يسمح بمحو الماضي من الحساب. لأن من السهل بعد انتهاء الخطر أن يبدو الخطر وكأنه لم يكن موجودا، وأن تتحول سنوات المواجهة إلى بضعة سطور، ثم يبدأ آخرون في إعادة تقديم نفس الأفكار بأسماء وشعارات جديدة.
ويصبح التاريخ نفسه هدفا مباشرا حين يتعلق بانتصار أكتوبر. فالتشكيك في انتصار عسكري بعد أكثر من نصف قرن لا يغير نتيجة الحرب، لكنه يمكن أن يغير علاقة الجيل الجديد بقصة بلده. والنتيجة التي يسعى إليها من يعبث بالتاريخ ليست إقناع المصري بأن معركة عسكرية واحدة سارت بشكل مختلف، وإنما كسر فكرة أعمق: أن الدولة تستطيع أن تنهض بعد هزيمة، وأن الجيش يمكن أن يعيد بناء نفسه، وأن المجتمع الذي تعرض لصدمة 1967 استطاع في ست سنوات أن يصل إلى العبور. ضرب هذه الفكرة يضرب الثقة في القدرة على التعافي نفسها.
الحفاظ على الذاكرة الوطنية
الذاكرة الوطنية أيضا لا تعني رواية أحادية بلا أخطاء. بالعكس، التاريخ القوي هو الذي يحتمل الأسئلة، ويعرض الوثائق، ويعترف بالتكلفة والقصور كما يحتفي بالإنجاز. لذلك فإن أفضل دفاع عن أكتوبر ليس منع النقاش حولها، بل فتح الأرشيف المعرفي أمام الأجيال، وتقديم الشهادات المصرية والإسرائيلية والدولية، وتحويل التاريخ إلى مادة حية لا تترك فراغا تملؤه مقاطع مجهولة على مواقع التواصل.
والمبدأ نفسه ينطبق على 2011 و2013 والحرب على الإرهاب والبرنامج الاقتصادي وكل الملفات التي تنقسم حولها الآراء. الدفاع عن الدولة لا يعني تجريم السؤال، بل منع استبدال السؤال بمعلومة مزيفة. المواطن من حقه أن يسأل عن كلفة مشروع، أو نتيجة سياسة، أو خطأ مسؤول، لكن يجب أن تكون الإجابة بالمعلومة، وإذا كانت هناك مشكلة حقيقية فإن الاعتراف بها أسرع الطرق لإغلاق الباب أمام من يحاول تحويلها إلى قصة أكبر مما هي عليه.
والدولة من جانبها لا تستطيع أن تطلب وعيا دائما إذا كانت المعلومة الرسمية تتأخر. في عصر ينتشر فيه الفيديو خلال دقائق، النفي بعد يوم قد يصل متأخرا. لذلك فإن المعركة المقبلة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الرصد السريع، وفرق تحقق تعمل على مدار الساعة، وأرشيف رقمي سهل الوصول، وقواعد بيانات مفتوحة، ومتحدثين يقدمون المعلومة قبل أن تملأ الشائعة الفراغ. الوعي لا يبنى بالمواعظ وحدها، بل بسرعة الحقيقة وجودتها.
كما يحتاج الإعلام إلى العودة لدوره الأصلي. ليس مطلوبا منه أن يكون مكبرا لأي رواية رسمية، ولا أن يحول كل خلاف إلى تهديد للأمن القومي. دوره أن يتحقق، يقارن، يسأل، ويفصل بوضوح بين الخبر والرأي. كل مرة ينشر فيها الإعلام معلومة ضعيفة ثم يتراجع عنها، يمنح مروجي الشائعات ذخيرة جديدة للقول إن الجميع يكذب. وكل مرة يكشف فيها الإعلام رواية مزيفة بالأدلة، فإنه لا يدافع عن حكومة، وإنما يدافع عن حق الجمهور في المعرفة.
والأسرة والمدرسة ليستا بعيدتين عن هذه الحرب. الطفل الذي يتعلم أن يسأل «من قال؟ أين المصدر؟ متى صور هذا الفيديو؟» أكثر حماية من طفل يحفظ قائمة من الإجابات. والطالب الذي يعرف الفرق بين الخبر والرأي والإعلان والحساب الوهمي يصبح أقل عرضة للتلاعب مهما تغيرت التطبيقات. هذه هي التربية الإعلامية التي أصبحت جزءا من الأمن القومي في دول كثيرة، لأنها تحول المواطن من متلق سلبي إلى نقطة فحص.
الأهم أن الوعي لا يعني الخوف من التكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع صناعة فيديو كاذب يستطيع أيضا كشف مؤشرات التلاعب، وتحليل الشبكات غير الطبيعية، ومقارنة الصور، والعثور على النسخ القديمة من المقاطع. المشكلة ليست في الأداة، وإنما فيمن يستخدمها، وهي النقطة نفسها التي طرحها الرئيس خلال زيارته للأكاديمية العسكرية في أغسطس 2025 عندما قال إن مواقع التواصل ليست شرا في ذاتها.
في النهاية، المعركة على ذاكرة المصريين ليست معركة على الماضي وحده. من يملك القدرة على إعادة تعريف الماضي يحاول أن يؤثر في قرار الحاضر واتجاه المستقبل. وإذا أمكن إقناع جيل بأن كل ما سبق كان كذبة، يمكن دفعه بسهولة إلى هدم ما لا يعرف كيف بني. وإذا أمكن إقناعه بأن مؤسسات الدولة كلها بلا تاريخ أو شرعية أو تضحيات، يصبح استهدافها أقل تكلفة. وإذا ضاعت الحدود بين الواقعة والرأي، وبين الصورة الأصلية والمفبركة، وبين النقد والشائعة، يصبح المجتمع أكثر عرضة للانقسام.
ولهذا فإن السؤال الذي فتحه تحذير الرئيس ليس «هل توجد شائعات؟» فوجودها أصبح حقيقة يومية. السؤال الأهم هو: هل نمتلك ذاكرة أقوى منها؟ وهل يعرف الجيل الجديد من أين يحصل على روايته عن مصر؟ وهل تستطيع المؤسسات أن تقدم الحقيقة بالسرعة التي يقدم بها الآخرون الكذب؟ وهل يملك الإعلام والتعليم والثقافة أدوات جديدة تناسب زمن الفيديو القصير والذكاء الاصطناعي؟
الجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيحدد نتيجة المعركة. لأن الإرهابي يمكن هزيمته أمنيا، والحساب المزيف يمكن إغلاقه، والفيديو المفبرك يمكن كشفه، لكن أخطر خسارة يمكن أن تقع هي أن ينجح أحد في إقناع المصري بأن يتخلى بنفسه عن ذاكرته. عندها لا يكون قد جرى اللعب على خبر أو حدث، بل على التاريخ كله. ومن هنا يصبح الوعي، كما تكررت الرسالة الرئاسية في أكثر من مناسبة، ليس شعارا ثقافيا، وإنما خط الدفاع الذي يمنع أن يكتب الآخرون للمصريين تاريخهم، ثم يطلبوا منهم أن يعيشوا مستقبلا صُمم على أساسه.








0 تعليق