من قال إن الأسود لا تزأر إلا في الغابات؟ ومن أوهم المنافسين بأن عرش إفريقيا يمكن انتزاعه من منتخب جعل الانتصار عادة، والتتويج ثقافة، وحمل القميص الوطني مسؤولية لا تقبل المساومة؟ وهل ما زالت هناك منتخبات تدخل لمواجهة المغرب طمعاً في الكأس، أم أصبحت تدخل فقط بحثاً عن طريقة للنجاة من مخالبه؟!
في قاعة تحولت إلى مسرح للكبرياء المغربي، لم تكن الكرة تتدحرج فوق أرضية الملعب، بل كان التاريخ يكتب فصلاً جديداً من حكاية أسود لا يشبعون من المجد. هناك، أمام أنغولا، لم يكن المنتخب المغربي يخوض مباراة نهائية عادية، بل كان يدافع عن عرش يعرف أسراره، ويحرس مجداً بناه بالعرق والانضباط والموهبة. خمسة أهداف مقابل هدفين، وكأس إفريقية رابعة على التوالي، ورسالة مدوية إلى القارة السمراء: المغرب لا يستعير الزعامة… المغرب يصنعها!
لكن لا تنخدعوا ببريق الكأس، فالحكاية أكبر من معدن يلمع تحت الأضواء، وأعمق من نتيجة تُسجل في دفاتر المنافسات. إنها حكاية مشروع رياضي رفض أن يكون ضيف شرف في البطولات، وقرر أن يصبح صاحب الكلمة الأخيرة. منتخب لم يولد بطلاً في ليلة واحدة، ولم يصعد إلى القمة بمساعدة الحظ، بل تسلقها درجة درجة، حتى أصبح خصومه يدرسون طريقة إيقافه أكثر مما يفكرون في طريقة هز شباكه.
والأجمل أن الأسود لم يرفعوا الكأس الرابعة بأقدامهم وحدها، بل بعقولهم أيضاً. لعبوا بذكاء، وتحركوا بانضباط، وهاجموا بشراسة، ودافعوا بروح جماعية، وكأنهم يقولون لكل منافس: قد تفاجئنا بهدف، وقد تحرجنا للحظات، لكنك لن تنتزع منا بسهولة شخصية البطل!
أما هشام الدكيك، فقد أثبت أن صناعة الأبطال ليست مهنة الصراخ على خط التماس، ولا فن توزيع التعليمات أمام الكاميرات، بل هندسة دقيقة للعقول قبل الأقدام. لقد جعل من مجموعة لاعبين موهوبين جيشاً رياضياً منظماً، يعرف متى يهاجم، ومتى يصبر، ومتى يوجه الضربة الحاسمة. والأهم أنه لم يصنع منتخباً ينتظر عبقرية لاعب واحد، بل منظومة تجعل كل لاعب بطلاً محتملاً، وكل تمريرة وعداً، وكل فرصة تهديداً.
لكن، وسط زغاريد الفرح وأهازيج الانتصار، يحق لنا أن نطرح سؤالاً مستفزاً: لماذا لا نتذكر أبطال الفوتصال إلا عندما يعودون بالكؤوس؟ لماذا تمنح بعض المنابر الإعلامية ساعات طويلة للجدل العقيم حول كرة القدم التقليدية، بينما يضطر أبطال القاعة إلى الفوز مرة بعد أخرى حتى ينتزعوا دقائق من الاهتمام؟
أليس غريباً أن يصبح المنتخب المغربي سيد إفريقيا، بينما لا يزال الفوتصال في حاجة إلى معركة أخرى من أجل المكانة الإعلامية التي يستحقها؟
إن هذا التتويج ينبغي ألا يتحول إلى مناسبة لالتقاط الصور وتوزيع التهاني، ثم إغلاق الملف حتى البطولة المقبلة. فالأبطال لا يعيشون بالتصفيق وحده، والزعامة لا تُحمى بالخطب، والمستقبل لا يُبنى بالاحتفالات. نحتاج إلى بطولة وطنية أكثر قوة، وتكوين مستمر، واكتشاف للمواهب، واستثمار في الأندية، وإعلام يرافق هذه الرياضة في أيام العمل الشاق، لا في ليالي رفع الكؤوس فقط.
ولأن الشهية المغربية كبرت، فإن إفريقيا لم تعد نهاية الطريق، بل أصبحت محطة في رحلة أكبر. نعم، نريد الحفاظ على العرش القاري، لكننا نريد أيضاً أن يتحول الحلم العالمي إلى مشروع واضح المعالم. فالمغرب الذي استطاع فرض هيبته الإفريقية يمتلك الحق في أن يطمح إلى مجد دولي أكبر، شريطة ألا يتحول الإعجاب بالإنجاز إلى شعور بالاكتفاء.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية على الأبطال: ليس في قوة المنافسين وحدها، بل في الاطمئنان إلى أن الأمجاد السابقة كافية لصناعة الانتصارات المقبلة. فالكأس الرابعة ينبغي أن تفتح شهية العمل، لا أن تغلق باب الطموح.
لقد قدم أسود الفوتصال درساً يتجاوز حدود الرياضة: لا مكان للصدفة في صناعة الزعامة، ولا قيمة للموهبة دون انضباط، ولا مستقبل للأحلام دون مشروع يؤمن بها ويحميها.
فشكراً لهشام الدكيك وطاقمه، وشكراً لكل لاعب حمل القميص الوطني بشرف، ولكل من ساهم في بناء هذه التجربة. لقد جعلتم المغاربة يرفعون رؤوسهم عالياً، وأثبتّم أن الراية الوطنية لا تحتاج إلى ملاعب تتسع للآلاف حتى ترفرف فوق القمم.
أما إفريقيا، فعليها أن تعيد حساباتها جيداً، لأن الأسود لم يعودوا يبحثون عن مكان فوق العرش… لقد أصبحوا يدافعون عن عرش يحمل بصمتهم.
والسؤال الأخير الذي نتركه معلقاً في سماء القارة: هل تستطيع إفريقيا صناعة منتخب يهزم المغرب، أم أن أسود القاعة يستعدون لتحويل الكأس الخامسة إلى موعد جديد مع التاريخ؟!
اللافتة الأخيرة
«في إفريقيا، هناك منتخبات تحلم بالكأس… وهناك منتخب مغربي جعل الكأس تحلم بالعودة إليه! أما الأسود، فقد تجاوزوا حدود الزعامة القارية، وأصبحت أعينهم على عرش العالم!»







0 تعليق