أفاد أطباء نفسيون بأن المعايير الاجتماعية تفرض على الرجال الشعور بالخجل أو الإحراج، إذا فقدوا قدرتهم على التماسك أمام ما يصادفهم من مواقف. وقالوا إن من الشائع أن الرجال أقل عاطفية من النساء، ويعني ذلك - في ظن الغالبية - أن عليهم ألّا يُظهروا أي علامات ضعف، مهما يكن الظرف أو الموقف الذي يواجهونه قاسياً أو معقداً، مشيرين إلى أن «هذه المعتقدات يمكن أن تسبب ضغوطاً نفسية كبيرة». وحدد الأطباء الأسباب الرئيسة التي تجعل بعض الرجال يترددون في طلب الدعم أو مراجعة الطبيب النفسي، وتشمل: الصورة النمطية عن الرجولة وتعارضها مع إظهار الحزن أو الخوف أو الضعف، وتلافي نظرة المجتمع باعتباره التي تجعله يبدو ضعيف الشخصية أو عاجزاً عن تحمّل المسؤولية، وصعوبة التعبير عن المشاعر لعدم الاعتياد على ذلك منذ الطفولة، ولاعتقاد كثيرين بأن في وسعهم تجاوز المشكلات النفسية بمفردهم، من دون مساعدة، والخلط بين القوة النفسية وكبت المشاعر، ظناً أنه دليل على الصلابة، وعدم إدراك الأعراض النفسية، والخوف من تأثير العلاج النفسي في الشكل الاجتماعي والمهني، والانشغال بالمسؤوليات والضغوط المالية، وضعف الوعي بجدوى العلاج النفسي، إضافة إلى تأجيل الاهتمام بالصحة النفسية والاستعاضة عنها بالانغماس في العمل أو العزلة، أو تعاطي المواد الضارة. التوازن النفسي وأكد استشاري الطب النفسي، الدكتور مدحت الصباحي، أن الاهتمام بالصحة النفسية ليس علامة ضعف، بل خطوة أساسية لتعزيز التوازن النفسي، وتحسين جودة الحياة والصحة العامة لدى الرجال، خصوصاً أن المشكلات النفسية يمكن أن تؤثر سلباً في عادات يومية تسهم في تعزيز الصحة الجسدية، مثل النوم والتغذية وممارسة الرياضة. وقال إن إهمال الصحة النفسية لا ينعكس على الاستقرار العاطفي فقط، بل يسهم أيضاً في تفاقم العديد من المشكلات الصحية والجسدية، وقد ينعكس سلباً على أداء الفرد المهني وإنتاجيته، ويؤدي إلى خسائر اقتصادية نتيجة هدر ساعات العمل، وتراجع جودة الإنجاز، موضحاً أن التوتر والقلق والاكتئاب تؤثر في التركيز والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة، وتبطئ إنجاز المهام، وقد تزيد معدلات التغيب عن العمل أو الحضور مع ضعف القدرة على الأداء، ما يزيد احتمالات وقوع الأخطاء، كما أن تراكم الضغوط المهنية، وغياب الدعم الكافي قد يقودان إلى الاحتراق النفسي، وفقدان الشغف بالعمل، وتراجع جودة التواصل مع الزملاء والعمل الجماعي، إلى جانب أعراض جسدية، مثل الصداع واضطرابات النوم والإرهاق التي تستنزف الطاقة اليومية للموظف. ولفت إلى أن أبرز الاضطرابات النفسية التي قد يعانيها الرجال تشمل الاكتئاب، واضطرابات القلق، واضطرابات تعاطي الكحول والمخدرات، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات النوم المرتبطة بالمشكلات النفسية، واضطراب ثنائي القطب، والوسواس القهري، واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، واضطرابات الشخصية، والفصام والاضطرابات الذهانية، إضافة إلى اضطرابات الأكل. وحذّر من أن تجاهل الأعراض أو تأخير طلب المساعدة الطبية المتخصصة قد يؤديان إلى تفاقم الحالة، وزيادة تأثيرها في حياة المريض وأسرته ومجتمعه. مفاهيم مغلوطة وأكد استشاري الطب النفسي في مدينة برجيل الطبية، أمير جافيد، أن بعض المعتقدات الاجتماعية لاتزال تربط الرجولة بالصلابة والقدرة على تحمّل الضغوط من دون تأثر، ما يُعزّز الاعتقاد بأن الرجال أقل عرضة للاضطرابات النفسية، إلا أن الصحة النفسية لا ترتبط بالجنس أو العمر، إذ قد يواجه الإنسان في مختلف مراحل حياته ظروفاً وضغوطاً تؤثر في توازنه النفسي، وتستدعي الرعاية والاهتمام، مشيراً إلى أن العوامل المؤثرة في الصحة النفسية لا تقتصر على الظروف الاجتماعية والانفعالية، بل تشمل أسباباً جسدية، مثل اضطرابات الهرمونات، ونقص بعض الفيتامينات والعناصر الغذائية، ومنها فيتامين «د»، وقصور الغدة الدرقية، ما يستدعي تقييماً طبياً لتحديد الأسباب واختيار العلاج المناسب، سواء بتعويض النقص الغذائي أو استخدام الأدوية عند الحاجة. وشدد على أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية منذ الطفولة، من خلال مساعدة الأطفال والمراهقين على فهم مشاعرهم، والتعبير عنها بحرية من دون سخرية أو تقليل من شأنها، ما يضع على عاتق الوالدين دوراً أساسياً في دعم النمو النفسي والاجتماعي للأبناء، إذ قد يؤدي تجاهل مشاعرهم أو مطالبتهم بإخفائها إلى ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الآخرين، والميل إلى العزلة، وصعوبة بناء العلاقات الاجتماعية. ودعا إلى مراجعة بعض العبارات المتوارثة، مثل «الرجل لا يبكي» و«كن رجلاً»، التي تُستخدم لمنع الطفل من التعبير عن حزنه أو ضعفه، موضحاً أن البكاء استجابة إنسانية طبيعية لا تنتقص من قوة الشخص، وأن التربية السليمة تقوم على تعليم الأبناء فهم مشاعرهم والتعامل معها بدلاً من كبتها، بما يُعزّز اتزانهم النفسي وقدرتهم على التواصل وطلب المساعدة عند الحاجة. مخاوف علاجية وأكد استشاري الطب النفسي، الدكتور نوفل إياد، أهمية تسليط الضوء على الصحة النفسية للرجال، مشيراً إلى أن الاضطرابات النفسية قد تصيب أي شخص، وتؤثر سلباً في صحته وجودة حياته، خصوصاً أن الضغوط المرتبطة بفكرة «الرجل المثالي» تدفع كثيراً من الرجال إلى الحرص على الظهور بمظهر القوي والمسيطر، ما قد يؤدي إلى التوتر والقلق واضطرابات نفسية أخرى، مشيراً إلى أن مخاوف بعض الرجال من الآثار الجانبية المحتملة لبعض الأدوية، لاسيما تأثيرها في الخصوبة أو الانتصاب، يمكن تداركها بالاستعانة ببدائل علاجية مناسبة، كما أن بعض الحالات لا تستدعي استخدام الأدوية ضمن الخطة العلاجية. وحذّر من أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية قد تدفع المصابين إلى إخفاء معاناتهم أو تأخير العلاج خوفاً من الحكم عليهم أو التمييز ضدهم، ما قد يؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية والعزلة الاجتماعية، وتراجع جودة الحياة، وتدني تقدير الذات، وضعف الأداء، لافتاً إلى أهمية توعية المريض بأنه ليس وحده في هذه التجربة، وتشجيعه على طلب المساعدة الطبية والثقة بجدوى العلاج، إلى جانب توفير الدعم الأسري، والمشاركة الفاعلة في الخطة العلاجية، والحفاظ على النشاط والتواصل الاجتماعي وتجنب العزلة. الدعم الأسري وأفاد اختصاصيون اجتماعيون ونفسيون، أحمد عبدالسلام ونادين منصور وسارة الخطيب، بأن اهتمام الأسر بصحة أبنائها لا ينبغي أن يقتصر على متابعة الأعراض الجسدية، خصوصاً أن بعض أولياء الأمور لا ينتبهون إلى الحالة النفسية للطالب ما دام لا يشكو من ألم أو تعب، على الرغم من حدوث تغيّرات في سلوكه، أو تراجع مستواه الدراسي، أو اضطراب نومه، أو ميله إلى العزلة وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي يحبها، لافتين إلى أنها مؤشرات تستدعي الانتباه والمتابعة، وأكدوا أن ملاحظة هذه التغيّرات مبكراً والتعامل معها بوعي يسهمان في فهم احتياجات الطفل، وتقديم الدعم المناسب له قبل تفاقم المشكلة، مشيرين إلى أهمية بناء تواصل يومي قائم على الثقة والحوار بين الأهل وأطفالهم، من خلال تخصيص وقت للاستماع إليهم، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم ومخاوفهم من دون لوم أو استهانة بما يمرون به، مع الحرص على تعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة، والاستعانة بالأخصائي النفسي أو الاجتماعي عند اكتشاف الصعوبات النفسية، لافتين إلى أن الرعاية المتكاملة تبدأ بالانتباه إلى ما يشعر به الطفل، وليس فقط إلى ما يشتكي منه جسدياً. 143 منشأة لـ«الصحة النفسية» أكدت دائرة الصحة - أبوظبي مواصلتها تطوير منظومة متكاملة للصحة النفسية، تنتقل من الاستجابة عند الحاجة إلى الدعم المستمر للأفراد استباقياً، بما يُعزّز جودة حياتهم، ويواكب احتياجاتهم قبل تفاقم التحديات أمامهم، وأكدت ارتفاع عدد المتخصصين في الصحة النفسية بنسبة 81% منذ عام 2022. وتابعت أنها رسمت خططاً لمضاعفة الطاقة الاستيعابية للمرضى خلال العامين المقبلين، بما يضمن توفير خدمات متخصصة تلبي احتياجات المجتمع المتنامية. وقالت لـ«الإمارات اليوم»، إنها دمجت خدمات الصحة النفسية ضمن مراكز الرعاية الأولية، من خلال تدريب أكثر من 1930 طبيب أسرة على تشخيص وإدارة الحالات النفسية الشائعة، مثل القلق والاكتئاب، ما يتيح للأفراد الحصول على الدعم من أقرب نقطة لهم، مع إمكان إحالتهم إلى متخصص عند الحاجة، لافتة إلى أن الإمارة تضم حالياً 143 منشأة للصحة النفسية، من بينها 13 مركزاً متخصصاً، يعمل فيها 640 مختصاً مؤهلاً، ضمن منظومة متكاملة تضمن استمرارية الرعاية، وتوجيه الحالات إلى المستوى الأنسب وفق احتياجاتها، ما يُعزّز كفاءة تقديم الخدمات، وتحسين نتائجها. «خط ساخن» فعّلت دائرة الصحة - أبوظبي، الخط الساخن «800-سكينة» لتقديم خدمات الدعم النفسي في أي وقت بالتعاون مع «سكينة»، في خطوة تنسجم مع التزامها بحماية صحة أفراد المجتمع، وتعزيز عافيتهم النفسية. ويوفّر «الخط الساخن» خدمات الرعاية النفسية الأولية، إلى جانب وصول مباشر إلى المتخصصين المؤهلين في مجال الصحة النفسية، لتقديم الدعم الفوري عند الحاجة، كما وفّرت الدائرة، أداة التقييم الذاتي للصحة النفسية عبر منصة «تم»، للبالغين من عمر 18 عاماً فما فوق، ما يتيح لهم فهم حالتهم النفسية بشكل أفضل، والحصول على توصيات مخصصة، وطلب الدعم والمشورة المتخصصة عند الحاجة. وأطلق مركز أبوظبي للصحة العامة التابع للدائرة عدداً من المبادرات التي تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وتغيير السلوك تجاه الصحة النفسية، من أبرزها تجربة «جمال عقولنا» التفاعلية، التي وفّرت منصات للحوار المجتمعي، وأسهمت في كسر الوصمة المرتبطة بطلب الدعم، وتعزيز فهم الصحة النفسية جزءاً طبيعياً من حياة الإنسان. • «صحة أبوظبي» تدمج خدمات الصحة النفسية في مراكز الرعاية الأولية.. وتسجل 81% نمواً في عدد المتخصصين. تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news Share فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App